عباس حسن

409

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

فلهذه الأمور الثلاثة لا تكون من القسم الأول الذي يدور فيه الكلام ؛ بل إنها ليست للتفضيل مطلقا « 1 » - كما تقدم - ؛ وإنما هي كلمة معدولة ، ( أي : محوّلة ) عن كلمة : « آخر » التي أصلها « أأخر » جاءت لتؤدى معنى ليس فيه تفضيل ، ذلك أن العرب حين أرادوا استخدام كلمة : « آخر » في معناها الأصلي - وهو المغايرة المحضة الخالية من معنى التفضيل - عدلوا بها عن وزنها الأول ؛ بأن أدخلوا عليها شيئا من التغيير ، وحولوها إلى هذا الوزن الجديد ؛ وهو : « أخر » ، لتؤدى معنى خاليا من التفضيل لا يمكن أن تؤديه إذا بقيت على الصيغة الأولى . ويقول السيوطي « 1 » ، قولا أشبه بهذا ؛ نصه : ( كان مقتضى جعل « أخر » من باب « أفعل التفضيل » أن يلازمه في التنكير لفظ الإفراد والتذكير ، وألا يؤنث ، ولا يثنى ، ولا يجمع ، إلا معرفا ، كما كان أفعل التفضيل ؛ فمنع هذا المقتضى ، وكان بذلك معدولا عما هو به أولى ؛ فلذلك منع من الصرف ) « 2 » . . . فالذي دعا النحاة لهذا التحليل والتعليل هو ما رأوه من جمعها وتأنيثها مع انطباق أوصاف القسم الأول عليها - في الظاهر - فلجئوا إلى مسألة العدول والتحويل ليتغلبوا على هذه العقبة ويجعلوا قاعدة : « أفعل التفضيل المجرد » مطردة . قد يكون كلامهم سائغا من الوجهة الجدلية المحضة ، لكنه من الوجهة الحقيقية مردود ، ذلك أن العرب لا تعرف شيئا مما قالوه ، ولم يدر بخلدها قليل أو كثير منه حين نطقوا بالتعبير السابق وأشباهه . فإبعادا لهذا التكلف ومسايرة للأمر الواقع ، يحسن الأخذ ببعض مما قاله النحاة - بحق - وهو : أنها ليست للتفضيل فلا تنطبق عليها أحكامه ، أو أنها خالفت القاعدة ؛ فهي من الشاذ

--> ( 1 ، 1 ) الهمع ج 2 ص 104 . ( 2 ) يقول العكبري - في كتابه : « إملاء ما منّ به الرحمن » ج 1 ص 456 ، سورة البقرة - ما نصه في كلمة : « أخر » ( لا تنصرف للوصف والعدل عن الألف واللام ؛ لأن الأصل في « فعل » صفة أن تستعمل في الجمع بالألف واللام ؛ كالكبرى والكبر ، والصغرى والصّغر ) . ا ه وهذا التعليل مردود كغيره بما ذكرناه هنا .